ابن الأثير
244
الكامل في التاريخ
قفصة لما رأوا تمكّن عبد المؤمن أجمعوا على المبادرة إلى طاعته ، وتسليم المدينة إليه ، فتوجّه صاحبها يحيى بن تميم بن المعزّ ، ومعه جماعة من أعيانها ، وقصدوا عبد المؤمن ، فلمّا أعلمه حاجبه بهم قال له عبد المؤمن : قد اشتبه عليك ، ليس هؤلاء أهل قفصة ، فقال له : لم يشتبه عليّ ، قال له عبد المؤمن : كيف يكون ذلك والمهدي يقول إنّ أصحابنا يقطعون أشجارها ويهدمون أسوارها ، ومع هذا فنقبل منهم ونكفّ عنهم ليقضي اللَّه أمرا كان مفعولا . فأرسل إليهم طائفة من أصحابه ، ومدحه شاعر منهم بقصيدة أوّلها : ما هزّ عطفيه بين البيض والأسل * مثل الخليفة عبد المؤمن بن عليّ فوصله بألف دينار ، ولما كان في الثاني والعشرين من شعبان من السنة جاء أسطول صاحب صقلّيّة في مائة وخمسين شينيّا غير الطرائد ، وكان قدومه من جزيرة يابسة من بلاد الأندلس وقد سبى أهلها وأسرهم وحملهم معه ، فأرسل إليهم ملك الفرنج يأمرهم بالمجيء إلى المهديّة ، فقدموا في التاريخ ، فلمّا قاربوا المهديّة حطّوا شرعهم ليدخلوا الميناء ، فخرج إليهم أسطول عبد المؤمن ، وركب العسكر جميعه ، ووقفوا على جانب البحر ، فاستعظم الفرنج ما رأوه من كثرة العساكر ، ودخل الرعب قلوبهم ، وبقي عبد المؤمن يمرّغ وجهه على الأرض ، ويبكي ويدعو للمسلمين بالنصر ، واقتتلوا في البحر ، فانهزمت شواني الفرنج ، وأعادوا القلوع ، وتبعهم المسلمون ، فأخذوا منهم سبع شوان ، ولو كان معهم قلوع لأخذوا أكثرها ، وكان أمرا عجيبا [ 1 ] ، وفتحا قريبا . وعاد أسطول المسلمين مظفرا منصورا ، وفرّق فيهم عبد المؤمن الأموال ، ويئس أهل المهديّة حينئذ من النجدة ، وصبروا على الحصار ستّة أشهر إلى
--> [ 1 ] مجيبا .